صفي الرحمان مباركفوري

425

الرحيق المختوم

آخر البعوث كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى عليه حق الحياة ، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه ، كما فعلت بفروة بن عمرو الجذامي الذي كان واليا على معان من قبل الروم . ونظرا إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجهز جيشا كبيرا في صفر سنة 11 ه ، وأمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود ، حتى لا يحسبنّ أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له ، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب . وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه ، واستبطئوا في بعثه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن تطعنوا في إمارته ، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل ، وأيم اللّه إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان من أحب الناس إليّ ، وإن هذا من أحب الناس إلي بعده « 1 » » . وانتدب الناس يلتفون حول أسامة ، وينتظمون في جيشه ، حتى خرجوا ونزلوا الجرف ، على فرسخ من المدينة ، إلا أن الأخبار المقلقة عن مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرهتهم على التريث ، حتى يعرفوا ما يقضي اللّه به ، وقد قضى اللّه أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق « 2 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري . باب بعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أسامة 2 / 612 . ( 2 ) المصدر السابق وابن هشام 2 / 606 ، 650 .